
القصيدة مهداه إلى الشاعر الكبير الأستاذ فاروق جويدة.
قرأت ديوان رائع بعنوان : قصائد للوطن ، للشاعر الاستاذ / فاروق جويدة ..
وكان يحتوى على مجموعة قصائد وطنية رائعة من أجمل ما كتب ومن أجمل وأروع وأصدق ما قرأت من قصائد وطنية على الاطلاق .
ولكنى لاحظت شيئا ما فى كلمات الشاعر.
وهى رؤيته للوطن ووصفه على أنه أصبح سجن كبير وتمثيل الشعوب على أنها مساجين فى هذا السجن وبقائهم خاضعين تحت رحمة الجلاد والخضوع لحكم الظلم والاستبداد .
تأثرت بكلام الشاعر بشدة ولكنى شعرت أن هذه هى النهاية لوطن تحكمه يد الظلم .. وشعب سلبى لا يملك أى حيلة .ولذلك أحببت أن أهدى هذه القصيدة لأستاذى لمجرد التعبير عن وجهة نظرى فى الرؤية فقط .. وليست لنقد القصائد على الإطلاق.
قصيدة : مازلت أعشق أوطاني – كلمات : سامح عبد الهادى
قصيدة : مازلت أعشق أوطاني
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدى الغالى .. وأستاذى العظيم
بعد التحية …
لك كل تقديرى واحترامى
إننى حقا أحبك
رغم فرار الحب من أوطانى
فإننى مثلك شاعر
أغزل القوافى من خيوط المعانى
أرسم إحساسى كلمات
وأراقصها بألحانى
أكتب الشعر منذ آلاف الأعوام
لا تنتهى أحبارى ولا يمل لسانى
لكنى حقا أعشق ما تكتب
فعطر أبياتك ياخذنى لعالم ثان ِ
أتذكر ” كانت لنا أوطان ” ؟
و ” لو أننا ” و ” فى عينيك عنوانى “
” رسالة صلاح الدين ” و ” كذبت أحزانى “
فأنا زهرة قد صنعتها يداك
أخذت منك عطرى وألوانى
أنا مثلك قلبى مجروح
أعشق أرضى وأعشق أوطانى
ولو جفت أرضى سقيتها بدمى
لن أتركها أبدا لوغد ٍ ثان ِ
” فى وطنك قبرك يا ولدى “
فيها معنى قد هز كيانى
لكنى أشعر فى كلماتك باليأس
فالخيل ماتت والذئاب توحشت
وجلاد ٌ ودجال ٌ وعاهرة ٌ وطغيان ِ
كلماتك تبكى يأسا ً وعذاب
فهل مات الأمل ؟ أم انتهت الأمانى ؟
أجبنى بالله عليك …
هل مات الأمل ؟ وماتت الفرسان ِ ؟
قلــّـى بربك ما نفعل ؟
حينما يحكمنا خصر ُ عاهرة ٍ .. وجلاد ٌ أنانى
حينما الظلم والجهل والطغيان يتحدوا
فتنهار أوطان المجد غدرا وعدوان ِ
بداخلى جرح ٌ ودموع ٌ وآهات
فلا تتركنى لمخالب أحزانى
لا تـقـتـل آخر بقايا الأمل
فى ذاتى وفى وجدانى
علمنى أبنى صرح المجد فى وطنى
إزرع فى صدرى الأمل
كى تعيش أسمى المعانى
لا نريد أن تكون أحلامنا
وهم ٌ وسراب ٌ .. ودخان ِ
لا نريد أن تكون آمالنا
نور ٌ لا يأتى فى ظلام الأحزان ِ
خذ بيدى يا سيدى
من وحل اليأس والمهانة والحرمان ِ
حررنى من قيودى أولا ً
افتح لى َ الباب واقتل سجانى
دعنى أخرج من سجنى للنور
فمازلت الشمس فى السماء تترجانى
أنا حـيــا ً يا سيدى فلا تقتلنى
فأنا أعرف أعدائى
ومازلت أعشق أوطاني
مازلت أعشق أوطاني
نقد أدبي: لقصيدة “مازلت أعشق أوطاني”
أولاً: بنية النص والعلاقة التناصيّة (Intertextuality)
تُبنى القصيدة على تقنية “المعارضة الفكرية” أو “المحاورة الأدبية”. الشاعر هنا لا يكتب نصاً معزولاً، بل ينسج خيوطه مع تجربة الشاعر الكبير فاروق جويدة.
- الاستدعاء الذكي: نجح الشاعر في توظيف عناوين دواوين جويدة (مثل: “كانت لنا أوطان”، “في عينيك عنواني”، “لو أننا”) ليس فقط كإشارات مرجعية، بل كأدوات لبناء جسر شعوري يربط بين تلميذ ومعلمه.
- الاعتراف والتمرد: تبدأ القصيدة بروح “التلمذة” الوفية (أنا زهرة قد صنعتها يداك)، ثم تنتقل ببراعة إلى “التمرد الفكري” الرافض لليأس، وهو انتقال درامي يمنح النص حيويته.
ثانياً: تحليل الرؤية الفلسفية (صراع اليأس والأمل)
القصيدة تمثل مواجهة بين رؤيتين للوطن:
- رؤية “الوطن السجن/القبر”: وهي الرؤية التي استشفها الشاعر من قصائد جويدة (في وطنك قبرك يا ولدي)، حيث تسود صور الجلاد، الذئاب، والطغيان.
- رؤية “الوطن الإرادة”: وهي التي يتبناها النص (مازلت أعشق أوطاني)، حيث يرفض الشاعر تحويل الحلم إلى “دخان” أو “سراب”.
- المفارقة: تكمن القوة في أن الشاعر يعترف بالواقع المرير (الخيل ماتت، الذئاب توحشت) لكنه يرفض أن تكون هذه هي “النهاية”. هو يطالب “الأب الروحي” (جويدة) بأن يمنحه الضوء لا أن يغرقه في العتمة.
ثالثاً: التصوير الشعري والدلالات
- الصور الحسية: استخدم الشاعر ثنائية (الظلام/النور) و(القيد/الباب المفتوح) بشكل مكثف. صورة “غزل القوافي من خيوط المعاني” تمنح انطباعاً عن حرفية الشاعر وصبره.
- الاستغاثة الوجودية: (أجبني بالله عليك.. هل مات الأمل؟)؛ هذا التساؤل التكراري ينقل النص من مجرد “قصيدة” إلى “استغاثة وجدانية”، مما يرفع من وتيرة التأثير العاطفي لدى القارئ.
- الخاتمة: جاءت الخاتمة “مازلت أعشق أوطاني” كقرار نهائي حاسم، يغلق الدائرة التي بدأت بالحب والتقدير، لتنتهي بالتمسك بالحياة والوطن رغم كل مخالب الأحزان.
رابعاً: اللغة والإيقاع
- النبرة الخطابية: يغلب على القصيدة أسلوب “المناجاة” والخطاب المباشر (سيدي الغالي، أستاذي العظيم)، وهو أسلوب يتسق مع غرض القصيدة كرسالة مفتوحة.
- المفردات: اتسمت المفردات بالوضوح والجزالة، مع ميل واضح لاستخدام كلمات تحمل ثقلاً شعورياً (وحل، مهانة، حرمان، سجان) لمناقضة كلمات مثل (عطر، ألوان، شمس، فجر).
- التدفق الموسيقي: القصيدة تعتمد إيقاعاً رتيباً هادئاً يناسب حالة الحزن النبيل، لكنه يتصاعد في الخاتمة ليتحول إلى إيقاع قوي يعبر عن التحدي.
الخلاصة النقدية:
القصيدة تجربة إنسانية صادقة جداً، نجحت في الخروج من عباءة “التقليد” إلى فضاء “المحاورة”. أهم ما يميزها هو شجاعة الشاعر في مطالبة ملهمه بـ “بصيص أمل”، مما يجعل النص صرخة جيل يبحث عن الضوء وسط ركام الهزائم النفسية. النص متماسك، عاطفي، ويحمل قضية فكرية واضحة خلف الأبيات.


