هذا ما تفعله برامج المقالب بأطفالنا

bullying

bullying

برامج المقالب تنشط براكين التنمر
كتبت : د. وفاء متولي

التنمر بركان خامد ننشطه نحن بأفعالنا….
تعد برامج المقالب من البرامج التي باتت تفرض نفسها على المشاهد وتغزو البيوت المصرية بلا استئذان،
وأصبحت هذه البرامج أحد السبل التي تُخرج المصري من عباءة الملل والروتين اليومي والاكتئاب، حيث يحرص على مشاهدتها الكبير قبل الصغير، وينتظر المشاهد كل عام المفاجأة التي يجهزها صاحب البرنامج آملاً في تلقي أكبر قدر من الإثارة والمتعة، وذلك بحلول شهر رمضان الكريم.
إذا وقفنا عند هذا الحد فلا مشكلة هنا أو هناك، فالأمر يظل في دائرة التفضيلات الشخصية لأساليب المتعة وكسر الملل.
لكن إذا علمنا ما تأثير مثل هذه البرامج على الأطفال وكيف أن أبطالها يتحولون مع الوقت إلى قدوة يقتدي بهم الأطفال في سلوكياتهم اليومية فيجب أن نتأكد أننا أمام شبح صغير ينمو يوماً تلو الآخر، هذا الشبح يسمى “التنمر”. وربما يتساءل البعض ما العلاقة بين مشاهدة برنامج للمقالب وسلوك التنمر؟
العلاقة وطيدة الصلة كالعلاقة بين الدم والعروق، فالتنمر باعتباره سلوكاً يجمع في جعبته كثيراً من المظاهر السلوكية، من سخرية وتهكم، وتخويف وترويع، وضرب وركل بالأقدام، وتهديد، وفضح الأسرار، ونقد وتوبيخ، ونشر للشائعات، فيمكننا القول أن برامج المقالب تحتوي على أغلب هذه المظاهر؛
فأصبح لا تخلو حلقات المقالب من سخرية وتهكم على التفاصيل الشخصية للضيف من ملبس وهيئة وأسلوب الكلام، وحتى على الخلقة الربانية التي وُلد عليها، وكذلك لا تخلو من تراشق ألفاظ السب والقذف، ومحاولات الطرفين لتبادل اللمس العنيف والضرب بالأيدي وغيره، ويحدث ذلك كله في إطار من الضحك والسعادة الشيطانية الزائفة.
وفي الآونة الأخيرة بدأ التنمر يتفشى بين أبنائنا كالنار في الهشيم؛
حيث أصبحت برامج المقالب تقود سلوكياتهم اليومية، بالقدر الذي أصبح المقلب فقرة أساسية في سلوك اللعب اليومي لدى الأطفال، ونحن ولاة أمورهم نتركهم للعب الحر غير المسئول، ولا نفكر ماذا ستفعل عدم المراقبة والإهمال بهم، قد تركناهم كالأيتام يتربون من يد ليد ونحن لا نبالي على يد من يتنشئون؛ الإعلام المحمل بالعنف تارة، وأصدقاء السوء تارة وسلسال الدم بالأفلام والمسلسلات وأفلام الكرتون تارة أخرى، والآن برامج المقالب بكل ما فيها من إسفاف وعنف، دون أن نتساءل عن مآل ذلك ونتائجه ونحن نضحك ضحكاً تعيساً باحثين عن السعادة الزائلة ونتوارى خلف اكتئاب باسم لا حيلة له.
بالطبع قد سمعنا عن أطفال راحوا ضحية للتقليد الطفولي البرئ لمشاهد يرونها ببرامج المقالب آملين أن يصبحوا بها أبطالاً مثل مجرميها، فهناك الطفل الذي شنق أخته بحجابها، ماتت هي وذهب هو للاحداث، والطفل الذي أضرم النيران لكي يخيف أصدقائه فرمى طفل بنفسه من أعلى مبنى مدرسته خوفاً من النار، والزوج الذي يعذب زوجته انتقاماً منها لأسباب لا ترق لمستوى الفعل المجرم، وسمعنا عن الجدة التي تعذب أحفادها لأنهم لا يتحكمون في عملية التبول الليلي بالفراش. ويعتبر علماء النفس التلذذ بهذه الأفعال يقع تحت مفاهيم الاضطراب النفسي وتسمى السادية والمازوخية، وغيرها من الأفعال التي تبعث البهجة والاستمتاع في النفوس المريضة لمرتكبيها وكذلك النفوس المريضة المفعول فيها.
السؤال الآن
بعد إدانة مستشفى الأمراض النفسية بالعباسية لبرامج المقالب، وتأثيرها النفسي على أولادنا توجهت نقابة الإعلاميين بإصدار قرار موقوف التنفيذ بمنع عرض برنامج “رامز مجنون رسمي” لحين توفيق أوضاعه لأن مقدمها فنان وليس إعلامي!!!!!!
ما هذا الهراء ؟
فهل هذا يعني أنه لو كان إعلامياً لسمح له باستكمال البرنامج وهو من أشد البرامج خطورة على أبنائنا؟!!!!
إنني أتعجب لدور الدولة؛ فمن ناحية تدشن حملات وتنفق أموالاً للحد من التنمر في المدارس وغيرها من السياقات الاجتماعية، ومن ناحية ثانية تترك هذه البرامج تمارس أفعالها يوم بعد الآخر، لكي تتنامى مخالبها وتنبش في أعماق براكين التنمر التي لو اتسعت لانفجرت وسالت الحمم البركانية للتنمر في كل مكان، لتصرخ البيوت مستغيثة من العنف المتكرر من كل شخص فيه تجاه كل شخص بها، وتصرخ المؤسسات من أفاعيل الرؤساء على المرؤسين ومن الزملاء الأقوياء المتنمرين على هؤلاء الضحايا المساكين، ليتحول الأمر إلى مجموعة براكين نشطة لا نقوى على إخمادها.
فمتى نفيق إذن من سباتنا الأبله العميق؟!!!!
Tagged , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

About وفاء متولى

دكتوراه في علم النفس والإرشاد النفسي خبرة عشرون عاما في الاستشارات النفسية والتربوية والأسرية وأيضا خبرة أكاديمية وعملية كبيرة في تنمية المهارات وخاصة مهارات التفكير والمهارات الإبداعية

Comments are closed.