علماء الفيزياء| ماري كوري

Marie Curie

Marie Curie

سلسلة علماء الفيزياء 
يكتبها : أحمد القاسمي
مراجعة : د.عمرو شريف
نستكمل بحول الله وقوته الشخصية الثالثة  : ماري كوري

نتحدث اليوم عن الشخصية رقم (3) في الصورة
و هي العالمة العظيمة ماري كوري ، أو ماريا سكلادوفسكا
ولدت ماري عام 1867 ، بولندية المولد و المنشأ ، و تحصلت على الجنسية الفرنسية فيما بعد .
نشأت ماري في عائلة وطنية جدا معتزة ببلدها بولندا ،
لها من الإخوة بنت وحيدة ، هي برونيا أو “برونيسلافا” .
تلقت ماري تعليمها الأساسي في وارسو ببولندا ، ثم أرادت الإلتحاق بإحدى جامعات باريس لاستكمال دراستها الجامعية ، لم تستطع في البداية الذهاب هي و أختها برونيا للدراسة هناك نظرا للظروف المعيشية الصعبة التي مرت بها خلال هذه الفترة، حيث أن عائلتها و عائلة والدتها فقدا كل ممتلكاتهما نظرا لإنخراطهما في العمل الوطني
ما كان من ماري كوري إلا أن تسمح لأختها  برونيا بالذهاب وحدها للدراسة بباريس ، على أن تتحمل ماري تكاليف الدراسة الجامعية لأختها ، مما دفع ماري للعمل كخادمة لعامين ! ، ظلت خلالهما ترسل النقود لأختها، حتى تحسنت حالتها المادية قليلا فلحقت بها بباريس و أنضمت لجامعة السوربون لاستكمال دراستها .
كان سكن ماري باديء الأمر مع أختها و زوجها – فقد كانت برونيا قد تزوجت خلال تلك الفترة – ثم استأجرت غرفة بسيطة لتسكن بها ، فأتاحت لها تلك العزلة التفرغ للدراسة و البحث ، نشطت ماري خلال تلك الفترة و ظهر نبوغها و بزغ نجمها .
عام 1894 ، طلبت جمعية تشجيع الصناعات الوطنية من ماري الاهتمام بدراسة الخواص المغناطيسية لمعادن مختلفة ، و قد نصحها أحد أساتذتها بالتواصل مع عالم فيزيائي يعمل في المجال نفسه و هو بيير كوري
بعد أن توطدت العلاقات بين بيير و ماري من خلال جهدهما العلمي المشترك ، طلب منها بيير الزواج ، فوافقت ، و قالت له قبل حفل الزواج : « ليس لدي سوى الثوب الذي أرتديه يوميا ، إذا أردت أن تتفضل علي بفستان جديد للزفاف ، أرجو أن يكون عمليا و داكنا ، حتى أرتديه لاحقا عند ذهابي للمختبر» !
عام 1895 ، اكتشف العالم فلهلم رونتجن الأشعة السينية ،
بعدها بعام، 1896 ، اكتشف هنري بيكريل أنه يمكن ترك انطباع  باستخدام الأشعة السينية على لوحة فوتوغرافية مشبعة بأملاح اليورانيوم ، دون تعرضها للضوء ،
كرست ماري رسالتها للدكتوراه لبحث هذا الموضوع ، و هو دراسة المواد المشعة .
كان معروفاً أن إشعاع اليورانيوم ضعيف ، لذلك لم تكن هناك تقنية لقياسه بدقة ،
وقد استخدمت ماري جهازاً كان زوجها بيير قد طوره مع أخوه جاك كوري ، و تمكنت من قياس إشعاع اليورانيوم بدقة ،
و بسبب وجود معملها بالقرب من متحف التاريخ الطبيعي ، تمكنت ماري من قياس إشعاعات الكثير من المواد التي تحصلت عليها من متحف التاريخ الطبيعي .
من ضمن هذه المواد خام البتشبلند الغني باليورانيوم ، وعندما درسته ماري كوري بدقه ، لاحظت أن خام البتشبلند يفوق إشعاعه إشعاع اليورانيوم بأربعة أضعاف ؟!
حدست ماري بأن البتشبلند يحتوي على عنصر مجهول مشع جدا ، فعملت لفترة طويلة في سبيل عزل هذا العنصر المشع ، وذلك عن طريق إضافة بعض المواد له و الحصول على محلول منه ، ثم معالجته باستخدام  كبريت الهيدروجين ،
عام 1898 ، تمكنت ماري من عزل العنصر المجهول ، وكان مادة أنشط إشعاعيا ب400 مرة من اليورانيوم ! ، فصدق حدسها بأن البتشبلند يحوي عنصر غير مكتشف .
بعد هذا الاكتشاف الرائع برفقة زوجها ، اتفقا على تسمية هذا العنصر باسم بولونيوم تيمنا بموطنها الأصل بولندا .
و بعد كثير جهد على الخام نفسه ، اكتشف الزوجان عنصراً آخر أكثر إشعاعا من اليورانيوم ب 900 مرة ، فكان هذا هو اكتشافهم العظيم الراديوم ،
و كان التحدي لإقناع المشككين بصحة وجود الراديوم يتمثل في فصله و الحصول عليه بصورة نقية لدراسة خواصه ، وكانت الكمية التي يمكن إنتاجها من طن من الخام هي عدة ملليجرامات فقط من الراديوم ،
و بعد جهد 3سنوات متواصلة ، و في يوليو 1902 ، كان لدى مدام كوري 10 جرامات من كلوريد الراديوم ، و اضيف هذا العنصر الجديد لجدول مندليف
وبجانب اكتشاف هذين العنصرين ، ابتكرت ماري تقنيات لعزل المواد المشعة، و أشرفت على أول دراسات لمعالجة الأورام باستخدام النظائر المشعة .
و من خلال أبحاثهم و جهودهم في النشاط الإشعاعي، خاصة ظاهرة الإشعاع المؤين ، حصل الثلاثي بيكريل و بيير وماري كوري على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903 ، وبهذا تكون مدام كوري أول سيدة تحصل على هذه الجائزة .
قبل الإعلان عن الفائزين بجائزة نوبل كان هناك انقسام داخل اللجنة الخاصة بالجائزة ، حول إضافة اسم ماري كوري ، فكان البعض يعارض فكرة أن تحصل امرأة على مكانة عليمة كهذه ! ،
إلا أن أحد العلماء المدافعين عن حقوق المرأة و هو ماجنوس جوستا ميتاج ليفلر أخبر بيير بما يمكن أن يحدث من تجاهل لدور ماري كوري في الابحاث ، فتقدم بيير بتظلم للجنة المنظمة ، فأضيف اسم ماري للجائزة .
وبالرغم من ذلك ، عندما دُعيت عائلة كوري إلى المعهد الملكي بلندن لإلقاء كلمة حول النشاط الإشعاعي ، فقد منعت ماري كوري من إلقاء كلمتها ، و سُمح لبيير فقط بذلك .
في 19 أبريل 1906 ، نزل خبر مقتل بيير كوري علي ماري كالصاعقة ، فقد تعرض بيير لحادث دهس تحت عجلات عربة يجرها حصان مما أدى لتهشيم جمجمته،
دخلت ماري بعدها في حالة من الإكتئاب و المرض ظلت تعاني منها كثيرا ، و اصيبت بمرض في الكبد أجرت على إثره عملية جراحية ، و حصلت على فترة نقاهة بعدها ، مما أبعدها عن معملها التي لم تكن تفارقه 14 شهرا
بعدها عادت لمعملها و لحياتها العلمية الشاقة ، و واصلت أبحاثها و تفوقها
حصلت ماري على مقعد في جامعة باريس ، كان قد أُعد لزوجها بيير قبل وفاته ، إذ عُرض عليها المنصب فوافقت ، و صارت بذلك أول امرأة تحصل على كرسي للأستاذية في هذه الجامعة العريقة .
عام 1910 ، تَحَصَّل لدى ماري ثروة هائلة ، تمثلت في جرام واحد فقط من الراديوم النقي ، و الذي بلغت درجة إشعاعه مليون ضعف إشعاع اليورانيوم .
في عام 1911 ، كانت ماري هي المرأة الوحيدة التي حضرت أول مؤتمر في سلسلة مؤتمرات سولڤاي ، واشتركت في المؤتمر مع 23 عالما من كبار علماء تلك الحقبة .
وكما ترون ، في الصورة المرفقة لأعضاء مؤتمر سولڤاي الخامس عام 1927 ، كانت ماري هي المرأة الوحيدة الحاضرة كالعادة .
في نهاية مؤتمر 1911 ، تلقت ماري برقية تخبرها بحصولها على جائزة نوبل الثانية ، لكن هذه المرة في الكيمياء ، نظير جهودها الكبيرة في أبحاثها على الراديوم بالأخص .
خلال الحرب العالمية الأولى ، طورت مدام كوري أجهزة الأشعة السينية ، و استخدمتها في تشخيص حالات الجنود المصابين ميدانيا لمعرفة أماكن الشظايا و الكسور قبل إجراء الجراحة ،
وطبقا للإحصاءات المنشورة ، يقال أنها شاركت في تشخيص قرابة المليون حالة طيلة سنوات الحرب .
أسست ماري معهدي كوري في باريس و في وارسو ، موطنها الأصلي ، و جابت العالم لجمع نفقات هذين المعهدين ليعملا في خدمة البشرية
عام 1920 كتبت كوري رسالة لأختها برونيا ، تشتكي فيها من بعض الأمراض التي ألمت بها و لم تكن تعرف سببها ؛ مثل الضعف الحاد في النظر ، و الطنين المتواصل في الأذنين ، ورجحت أن تكون هذه الأعراض نتيجة تعرضها المستمر للإشعاع – الذي لم يكن يعرف تأثيره السلبي آنذاك – لكنها لم تقطع بذلك .
استمرت الامراض تلاحق مدام كوري بقية حياتها ، إلى أن توفيت عام 1934 ، نتيجة إصابتها بفقر الدم لتعرضها الزائد للإشعاع .
دُفنت مدام كوري مخلفة وراءها تاريخ حافل بالإنجازات و الاكتشافات العلمية العظيمة ، و تاريخ من النضال لامرأة هزمت كل تلك الصعاب و تجاوزتها ، و ظفرت بجائزتي نوبل كأول شخص في التاريخ ، وكانت الشخص الوحيد حتى الآن الذي حصل على جائزتي نوبل في مجالين علميين .
أكملت أيرين كوري المسيرة العلمية الحافلة لأمها ، وبعد وفاة ماري بعام واحد، 1935 ، حصلت أيرين جوليو كوري مناصفة مع زوجها فريدريك جوليو على جائزة نوبل .
عام 1995 ، نُقل رفات ماري كوري إلى مقبرة العظماء بباريس ، و هي ترقد الآن في تابوت من الرصاص سمكه 5.4 سم ، لحماية الزوار من الإشعاع الذي لا يزال يصدر من رفاتها
كما أن مقتنياتها مازالت مشعة إلى الآن و ستظل مشعة إلى 1500 عام قادمة ، لذلك لا يطلع أحد علي مقتنياتها إلا ببدلات و معدات خاصة للحماية من الإشعاع .
من أشهر مقولاتها :
  • أنا لا أرى أبداً ما تم إنجازه ، بل أرى ما لم يُنجز بعد.
  • كن أقل فضولاً بالناس ، وأكثر فضولاً بالأفكار

المصادر :
  • كتاب : هوس العبقرية ، للمؤلفة باربارا جولد سميث
  • وثائقي “ما وراء الأسطورة ، ماري كوري”
  •  ويكيبيديا
Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

About أحمد القاسمي

طالب بكلية الهندسة قسم التعدين و الفلزات - جامعة اسيوط ، من مواليد مرسى مطروح مهتم بعلوم الفيزياء وتاريخ العلم وشغوف بالمعرفة

Comments are closed.