إغتصاب الزهور | قصة قصيرة

اغتصاب الزهور

اغتصاب الزهور

فى طريقه إلى العمل صباح كل يوم .. كان خالد يتجرأ على أحواض الزهور المنتشرة على جانبي الطريق .. مصافحا إحدى الزهور الجميلة .. ومغتصبا إياها بدون حق .. كان يقتلعها بقوة من حضن عائلتها الصغيرة .. ليقتلها بكل هدوء بينما هى تتمزق طلبا للنجدة … ولكن منذ متى يصرخ الورد ؟

كان يبرر لنفسه هذه الجريمة بأنه من عشاق الورد .. هو كان يعتقد ذلك فعلا .. أن حب الورد معناه إغتصاب حقه فى الحياة .. وقتله بلا أى ذنب إلا أنه يبهج حياة بعض الناس .. ويغنى بالحسن والعبق على جانبي الطريق.

يضع خالد الوردة المجني عليها فى جيب سترته الأمامي متجملا بها .. وحين يدخل إلى الشركة يمسكها بيده ويغلفها بابتسامة من طراز خاص .. ليعطيها لإحدى الحسناوات اللواتي تشاركه فى جريمة اغتصاب الزهور.

لقد تعلم خالد أن الحب هو الإستبداد والتملك .. أن حبك لأى شخص أو شئ معناه أن تمتلكه بأى شكل وبأى ثمن .. ولك كامل الحق فى امتلاكه طالما أنك تعتقد أنك تحبه.

لهذا السبب وبنفس المنطق كان خالد يتعامل مع زوجته على النهج ذاته .

فهو يرى أنه يحبها .. ولذلك قرر منذ سنوات أن يتزوجها .. ثم قرر أن يوفر لها سكنا رائعا يليق به ، ويشتري لها ملابس جميلة لتتزين له ، قرر لها أن تنقطع عن دراستها لأنها لن تحتاج إليها فهو ثري بما يكفي ، وقرر لها مستقبلها الذى يكون طوع رغبته .. وحين بدأ حياته معها قال بكل حزم ووضوح : ماعنديش ست مابتسمعش كلام جوزها .. ولو سبتى البيت مش هاترجعي تانى .

كان يجب أن يؤسس حياته على قناعاته الخاصة .. ويبرم معها الإتفاق على وثيقة عبوديتها الخالصة له ، فهى يجب أن تكون طوع أمره وملكا مملوكا له يفعل به ما يشاء.

دخل خالد إلى بيته كعادته بعد عودته من الشركة التى يعمل بها مستشارا قانونيا .. يسلم على الجميع بحفاوة .. وهم يبادلونه نفس ابتسامات المجاملة .. فالكل هنا يعيش تحت ظله .. وببركات خيراته .

تحرك ناحية قفص فخم جدا معلق على الحائط به زوجين من عصافير الجاوا الغالية الثمن وزوجين من الكناري أيضا وببغاء ذو ألوان رائعة.

كان مهووسا بامتلاك الطيور .. ولذلك قرر أن يسجنها فى قفص فخم يليق به .. ويسلبها حريتها فى الطير واحتضان السماء .. ويحتفظ بها لنفسه فقط ليستمتع بجمال ألوانها وعذب صوتها .

كانت تتعذب فى سجنه الفخم .. وتنادي دوما بالحرية .. ولكنه يحسبها تتغنى له فرحا ونشوة .. ولا يعلم أنه رغم فخامة القفص .. إلا أنه فى النهاية مجرد سجن .. وهو سجانه الخاص.

فى منزل خالد كانت تعيش أسرة جميلة .. زوجه حسناء وولد صغير وفتاتين فى عمر الزهور .. الكل يعيش فى منزل به كل أساليب الرفاهية .. به كل شئ تقريبا .. إلا شئ واحد فقط .. الحرية.

ولكن الحرية لا يمكن لشئ تعويضها أبدا .. ولذلك كان الجميع يكره الحياة فى هذا البيت الممتلئ بالنعم .. لأنه فى النهاية سجن يحيا كل فرد من أفراده حسب تعليمات وقرارات خالد وحده … هنا لا رأي .. لا نقاش .. لا خيارات .

بعد فترة من الزمن .. اعتاد فيها الموظفون رؤية خالد يدخل عليهم مصطحبا الورد .. وكانوا يتسابقون لنيل الضحية والاستمتاع بها .. ولكنه اليوم دخل خاليا من أية زهور .

تعجب البعض بينما لم يعره البعض الآخر اهتماما .. ولكنها فقط سناء التى كانت تبدي إعجابها غالبا بزوق خالد الرفيع وطريقته المثلى فى الحياة .. هى التى تحركت فى اتجاهه وسألته بابتسامة جريئة : فين وردتي ؟

ضحك خالد ولم يتوقف عن السير .. اكتفي بتحريك رقبته تجاهها وقال : مالقتش النهاردة يا سناء .. حتى الورد ماعدناش لاقيينه .

انتهت العبارة عند مكتبه بالضبط .. خلع سترته الخارجية ووضعها على الجانب المخصص لها ثم تحرك ناحية سناء ليكمل ببعض الغزل : بكرة هادورلك على وردة حلوة زيك .

ابتسمت سناء بثقة وعادت برشاقة ، بينما اتجه سمير ناحية خالد ليخبره عن شئ ما .

قال سمير : صباح الفل يا أستاذ خالد … ايه الأخبار؟

جلس خالد وهو ينظر لسمير ويعطيه ابتسامة مصطنعة لزوم المجاملة قائلا : الحمد لله بخير .. ايه أخبارك انت .

لم يكن سمير من النوع الذى يفضله خالد .. فهو دائم المرح ومتساهل مع فريق عمله ، ولذك كان خالد يظهر له نوع من التعالي ليشعر بالرضا عن نفسه حيث أنه يرى نفسه دائما أفضل .

قال سمير بنوع من البهجة : النهاردة عيد ميلاد سندس بنتي .. بقا عندها ست سنين دلوقتى .. وأنا وهى اتفقنا نعمل حفلة كبيرة ونعزم فيها الحبايب .. وطبعا حضرتك أول المدعويين .

لم يرفع خالد نظره إلى سمير لكنه ابتسم لقاء حديثه وقال أثناء انشغاله بملف خاص : ياه .. سندس بقا عندها ست سنين .. الأيام بتجري .

ثم رفع نظره تجاه سمير وأكمل : هاجيلها .. وأهى فرصة الأولاد يخرجوا شوية .

ثم تغيرت ملامح خالد قليلا لتعبر عن استفهام .. وأكدت كلماته ذلك حيث قال بعد أن اعتدل فى جلسته : بس أنا مش فاكر البيت يا سمير .. انت كنت مأجر شقة فى عمارة شعبي كده حسب ما أتذكر ..

زادت ابتسامة سمير لتنم عن نوع من الرضا وأوضح : ده من بدري يا أستاذ خالد .. انت بس اللى مش متابع .. الحمد لله دلوقتى عندي بيت صغير كده فى الإسماعيلية الجديدة .. والمنطقة هناك جميلة اوى.

  • برافو .. بيعجبنى فيك انك مجتهد .. خلاص اتفقنا .
  • – تشرف يا فندم .. منتظر حضرتك .

 

توقف خالد بسيارته أمام منزل جميل رغم بساطته .. ونظر لزوجته وقال وهو يشير إلى الموبايل : ده الموقع بالظبط .. أكيد ده البيت .

وقال بلهجة أعلى قليلا للجميع : ياللا يا بنات .. انزلوا بهدوء .. ماتسيبوش ماما لوحدها .. ومالكوش دعوة بحد .. وماتاكلوش أى حاجة غير لما أنا أقولكم .. وأول ما تلاقومني وقفت عشان أمشي تيجو جنبى على طول .

ولكن ما أن وطأت قدم البنتين على الأرض .. ابتلعهم المنزل تماما .. فنظر خالد لزوجته وغلبهما الضحك .. ثم تحركا فى اتجاه البيت بهدوء.

كان أول ما لفت نظر خالد لبيت سمير هو المدخل .. كان الممر من البوابة للبيت من الداخل عبارة عن ممر أخضر محاط بشجيرات الزهور على الجانبين ، وتعلوه مظلة مصنوعة من بعض أعواد البوص ويلتف عليها الكثير من الأزهار المتسلقة مع بعض الزينة الخفيفة .. رائحة الزهور على الجانبين شديدة العبق .. تعطي إحساسا حقيقيا بنشوة وسعادة من طراز خاص .

ولكن فى نهاية الممر .. كان هناك الكثير .. والكثير جدا من العصافير ذات الصوت المبهج .. والتى انتشرت فجأة عندما اقترب خالد وزوجته من باب البيت الداخلي .

كان المنظر خلاب حقا .. ويفرض عليك وقفة تأمليه ولو لبعض لبضع ثوان.

حاولت زوجة خالد أن تعبر عن استمتاعها بالمنظر فقالت : المكان هنا رائع جدا .

ولكن خالد لا يتساهل مع الشعور بأن رجلا أفضل منه بأى حال.. فقال محاولا تبرير الأمر : واضح أن سمير تكلف الكثير ليظهر لنا بصورة جيدة .

فى الداخل كان الصخب يفرض هيبته على المكان .. ويغطي على كل شئ تقريبا ، الجميع كانوا سعداء .. ولأن السعادة مرض معدى سريع الانتشار .. شعر خالد وزوجته بسعادة ونوع من المرح أيضا .

تبادل الجميع السلامات والتهاني وكانت هدايا بنات الأستاذ خالد لسندس من اختيار والدهن بالطبع والتى كانت حروفا ذهبية لتعبر عن فخامة الوالد .

ولكن ثمة بعض الأمور كانت مختلفة داخل بيت سمير .. مختلفة بالنسبة إلى خالد .. فهو لم يعتاد على رؤيتها كثيرا ..!

مثلا .. كان الجميع مبتسم ابتسامة حقيقية .. تنم عن سعادة داخلية عميقة .. عن فرحة غير مصطنعة .. كان الجميع يلهو بحرية .. حتى الكبار يفعلون أمورا صبيانية غير مباليين بأى رسميات أو أشخاص .

كانت زوجة سمير رشيقة والسعادة واضحة جلية فى عينيها وملامحها .. تتحرك كفراشة بين الجميع ، ترحب بيضوفها بحب وسعادة وتقدم كل شئ تقريبا بكل كرم وبدون أى رسميات أو تكلف .

كانت الحوائط ممتلئة بأزواق مختلفة من اللوحات الفنية .. ومن الواضح أن كل فرد فى البيت اختار ما يروق له بدون اعتبارات خارجية ، حتى سندس ذات الست سنوات .. قد اختارت هى ألوان غرفتها والأثاث الخاص بها وملابسها .. ولكن المثير فى الأمر حقا أنها هى التى قامت باختيار كل شئ فى الحفلة تقريبا .. بداية من التورتة والزينات وحتى أنواع المشروبات والأطباق وكل شئ .

ذهب خالد مع سمير ليشعل سيجاره فى الشرفة الخلفية للمنزل حيث بعض الهواء المنعش فرأى خالد عددا كبيرا من العصافير يلهوا فى الحديقة الخلفية .. فابتسم وقال لسمير :

العصافير كثيرة هنا .. لو كنت أسكن هنا لقمت باصطيادها والمتاجرة فيها .. ولكن ما السبب الذى يجمع كل هذه الأنواع من الطيور .. هل هو نوع معين من النباتات تجذب الطيور ؟

ضحك سمير وقال : طبعا .. أكتر حاجة تجذب الطيور هى الحب .. ومش بس الطيور .. الحب بيجذب كل شئ فى الكون .

نظر خالد حوله ثم عاد لسمير قائلا باستنكار : لكن أنا مش شايف أى قفص عصافير فى بيتك .. ياعنى ما بتحبهاش أو على الأقل مش مهتم بيها .

  • – اللى بيحب حاجة بيحررها يا أستاذ خالد .. مش بيحبسها فى قفص.
  • مش فاهم
  • – الطيور دى رمز الحرية .. لو حبستها فى قفص هاسجنها وأعذبها .. وهاكون سلبت منها أجمل حاجة فيها .. حريتها.
  • طب مانت لازم تحطها فى قفص علشان تفضل معاك .. لو سبتها تطير مش هاتشوفها تانى
  • – لو حبستها فى قفص هاتفضل قدامي وهى بتتعذب .. نفسها تخرج ومش قادره لأنى ساجنها .. إنما لما أحررها .. وأديها الحب والأمان .. هاتعيش معايا باختيارها .. باختيارها المطلق .. وبكده هاتكون سعيدة معايا .. وأناهاكون سعيد بيها .

ضحك خالد بسخرية وقال : يابنى سيبك من كلام الفلسفة ده .. انت عايز تفهمنى انك سألت العصافير دى عن رأيها فى انها تعيش معاك .. ما تبطلوا اللى بتشربوه ده .

ضحك سمير أيضا وقال : لأ طبعا مش قصدى كده .. لكنى بادرت وإديتلها الحب والأمان والإحساس بالحرية .. عشان كده هى اختارت انها تعيش هنا .

  • طب وافرض طارت .. مشيت.. هاتجيبها ازاى ؟
  • – مش هاجيبها .. ولا هازعل عشان مشيت .. أنا مؤمن بحقها فى الحرية .. هى من حقها تعيش فى المكان اللى هى تحبه .. ولو أنا أستحقها هاتعيش معايا .. ثم ليه أصلا هاتسيب مكان هى لاقيه فيه الأمان .. وحاسه بالحرية ؟

أنا حريص عليها جدا .. بارميلهم حبوب فى كل مكان حوالين البيت .. وعاملهم قنوات مياه يشربوا منها .. وحريص إنى أتعامل معاهم برفق علشان ما يخافوش منى .

  • مايخافوش منك ازاى ياعنى ؟
  • – الخوف هو أكتر شعور مناقض للحب .. الخوف والحب ما يجتمعوش فى قلب واحد أبدا .. ماينفعش يكون فيه انسان بيحبك وهو خايف منك .. والعكس صحيح .. الأمان هو أساس الحب .. اللى يحس انه مطمن معاك .. وحاسس بأمان وهو جنبك .. هايحبك .
  • الكلام ده غلط .. وأقرب دليل خوف الناس من ربنا .. الناس بتخاف من ربنا وبيحبوه فى نفس الوقت .
  • – لأ يا فندم .. فيه فرق بين الخوف من ربنا .. والخوف من عذاب ربنا ، اللى بيخاف من ربنا بيعبده بالقهر بدافع الخوف .. وده شعور بيستهلك الطاقة كلها .. وبيخليك كاره كل شئ حتى نفسك .. وممكن يوصلك انك ترفض العبادة بكل أشكالها .. وماتقدرش تستمر، لكن لو بتعبد ربنا بحب .. وانت حاسس بالأمان معاه .. ومطمن أوى وانت حاسس بوجوده جنبك دايما .. الدافع هايكون أقوى بكتير .. وطاقتك هاتزيد كل ما تقرب .. وهاتحس انك عايز تزيد من تقربك لله ومن عبادتك له .
  • طب ما علينا .. سيبك من العصافير .. باقولك ايه .. أنا عاجبنى الورد اللى بره فى المدخل .. وعاوز أخد تشكيله حلوة كده .. انت عارف انى بحب الورد .
  • – لأ يا فندم .. حضرتك ما بتحبش الورد .
  • ازاى ياعنى .. مانت عارف انى ما بدخلش الشركة غير بوردة .. بس للأسف النهاردة مالقتش .
  • – حضرتك مالقتش ورد فى الطريق لأنك قضيت عليه ، حضرتك ما بتحبوش إنت عندك رغبة فى امتلاكه .. تفرق … لو بتحبه فعلا كنت تسيبه يعيش وتستمتع بجماله فى الطريق .. لكن اللى حصل انك قتلته .
  • كل ده عشان ما اخدش ورد من بره .. دانت مشكلة .. وأنا اللى قلت انك كبرت وعقلت شوية .. دانت دماغك ضربت أكتر من الأول.
  • – الجنينة والبيت كله تحت أمرك .. لكن لو قطفت ورده واحدة .. يبقى انت ما بتحبهاش .. صدقنى يا فندم الحب هو أعظم قوة فى الوجود .. الحب مش الرغبة فى الإمتلاك .. الحب مش الإستبداد .. الحب يا فندم شرطه الرئيسي هو الحرية .. اللى بيحب حد فعلا .. بيحرره ..
  • ياعنى ايه ؟
  • – ياعنى لو بتحب الورد .. ازرعه ما تقتلوش

لو بتحب الطيور .. حررها ما تسجنهاش

لو بتحب أبناءك .. سيبهم يعيشوا حياتهم بطريقتهم .. ما تفرضش عليهم أفكارك

لو بتحب زوجتك .. خليها تعيش معاك باختيارها الكامل .. واديها الحق انها تبني حياتها ومستقبلها وتاخد القرارات اللى تناسبها هى

لو بتحب الحياة .. حررها من سطوتك .. ورغبتك فى تغييرها .. واستمتع بيها زى ما هى .

لو بتحب نفسك .. حرر نفسك من التعلق بأى شئ أو أى شخص

 

كانت السيجارة فى يد خالد أوشكت على الانتهاء .. فرمى ما تبقى منها بعيدا .. بينما أخذته أفكاره لشئ آخر تماما .

وكان القرار الحاسم بالنسبه له هو ألا يعاود زيارة سمير مرة أخرى .

 

من فضلك شاركنا برأيك فى محتوى القصة

 

Tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.