المداهمة | قصة قصيرة

المداهمة - منه زين

المداهمة – منه زين

المداهمة | قصة قصيرة
بقلم : منه زين

استيقظ رجلٌ متقاعساً عن عمله ليُوكِرَ نفسه إناءًا من الماء يرويهِ أخيراً من ظمإٍ مُلِح.
فبعد أن ارتشف مرة والثانية، نظر بطرف عينيه إلى الساعة،
“لمَ لا تعمل وقد أتيت إليها ببطّاريةٍ ليلة أمس!”
حمل الساعة بين يديه، يزيل منها البطارية تارة ويضعها فيها تارة أخرى والنتيجة ذاتها…
“سآخذها للتصليح لاحقاً، الشكر لساعات الهواتف الذكية.”
جرَّ قدميهِ الكسولتين إلى السرير وبدا ينظر إليه بوَحْشَةٍ تامة محاولاً رفع نفسه من أرضية الغرفة والخلود في نومٍ عميق؛ يُنسيهِ هموم الحياة وضغوط العمل التي استنفذت طاقته حتى صار على هذا النّهج.
يرن هاتف “مصطفى” للمرة الحادية عشرة، فيستيقظ نهائياً ويجلب هاتفه شاعراً كما لو التصق جفناه بالغراء من شدة الإرهاق. الساعة العاشرة صباحاً… ينبح “بيسو” مُعْلِماً صديقه أن طبق الطعام خاوٍ، فاستجمع “مصطفى” نفسه وحضّر الفطور لكليهما. وبينما كان يحمل الأطباق المرصوصة على منضدة الطعام رن هاتفه فأغلقه طويلا، وقام بتغيير ملابسه ليحظى ببضع ساعات هادئة هنيئة مع كلبه في الشارع.
إبّان ما كان الكلب يمشي مستأنساً إلى جانب “مصطفى” قرر الأخير أن يبتاع علبة سجائر من البقالة يحرق بها ما يُكَنّ في صدره ويترجّل وكلبه متريّثان في الطرقات حتى توارت الشمس ولاحت النجوم أمامهما في غسق الليل فتحين العودة للديار.
استرق “مصطفى” السمع عندما خطت قدماه خطواتها الأولى في مدخل العمارة…
“إنها إذاعة القرآن الكريم، يأتي صوتها من باب شقة السيدة علا”
“أزال الله عنك كربك”
جملة قيلت مباغَتَة تَكَهّنَ إثرها بمعرفة المتحدثة، فيُتبِعُها سائلاً: “مرحباً من أنتِ؟”
تتقدم نحوه والكلب فتاة يافعة من جهة اليسار مجيبة: “جلست على تلك الأريكة البالية لساعاتٍ أرتقب قدوم أحدهم ولكنه ألمّ ها هنا”
يردفُ الكلب ظهر صاحبِه عقب سيرِه إزاء الصبية…
“لماذا تبدين لي كأحجية! ما الذي أودى بكِ الآن مرتقبة قدومي؟”
“كلبٌ لطيف، لمَ لا يرغب بالاقتراب مني؟ ألا يمكنه رؤيتي؟”
“إنه لا يحب الغرباء… أكرر عليكِ السؤال: ما الذي قصدتِني لأجله؟”
“الظلم يهابهُ الطاهرون، لا يَغشِيَ عليهم الليل إلا وقد باتت ضمائرهم راضية ونفوسهم مطمئنة، فأما عن الظالمين فقد قُدّرَ لهم العيش معيشة ضنكا، تقف في حلاقيمهم الذنوب كغصة لا تزول…” أدْبَرَت بعدها دون أن تتفوه بكلمة زائدة وتركت أثرا لا يُرَدّ بتاتاً.
لم يعيَ “مصطفى” ما قيل قبل قليل، ووطأ عتبة شقته في تيهة لا تفسير لها. حاول النوم مراراً وتكراراً ويؤرقه التعمّق فيما حدث بالأسفل فيطلّ عنه ذلك.
قام ليغتسل، وذهب ليطرق باب جاره العجوز في منتصف الليل كي يخفف عنه حدّة التوتر… لسوء حظه لم يُفتح الباب ولن يبقى في هذا المسكن ثوانٍ وتعتري صدره الغيوم كما الهائمين. انتهى الأمر به نائماً على الأريكة البالية ذاتها التي جلست عليها الفتاة حسبما أخبرته، وفتح عينيه في صباح اليوم التالي يعضّ على يديه من الجوع… ناسياً ما حدث في الليلة الماضية ويفعل ما يفعل في نفس الوقت ككل مرة… يتفقد طعام كلبه، والساعة التي لم تعد تعمل كالسابق وهاتفه الذي لا يرد به على أحد.
“أرى أنك قد تحسنت”
انتفض الرجل فزِعاً واختَلجَ برأسهِ نحو الصوت مباشرة، ثم قال:
“ك.. كك.. كيف!”
“لمَ تهرع بعيداً كالطفل الجبان!، لن أؤذيك. لقد تركتَ الباب مفتوحاً”
“لمَ بحق الله قد أتركه مفتوحاً! أخبريني كيف خطوت بقدميكِ إلى هنا؟”
“إسأل نفسك لماذا راشد مثلك قد ينسى باب شقته مفتوحاً على مصرعيه”
“لا أعلم… لا أأ..لا أذكر، لا يهم م.. من أنت؟ وما الذي أتى بكِ إلى هنا؟ ما أريد معرفته أيضاً هو كيف لم ينبح هذا الكلب بمجرد وقوفك بمقابلته!”
“اسأل كلبك إذا، أما عني أنا فأريد أن أنتقم”
“وما شأني بما تريدين؟”
“أنت من سينتقم لي.”
“هلا ابتلعتي فوراً ما يقول لسانك!”
“ستنفذ لي مطلبي هذا”
“من أين لك تلك الثقة، رجاءاً إذهبي”
“عائدة إليك قريباً، سأمهلك وقت طفيف تمتحن به قوتك العقلية فإن أدركتها فلك مني هِبَة وإن لم تفعل فأعدك بأنك ستلقى حتفك إلى أن يفوح النتن منك، أعد التفكير”
“إذهبي وإلا اتصلت بالشرطة، تبدين شابة وأعطيك فرصتك بالنفاذ من هنا دون عودة”
“أعتقد أن كلبك اعتاد على وجودي”
“اذهبي… اذهبي”
دفع الرجل الطعام في فمه وكأنه يأكل جمراً كلما يمر في جوفه، يحترق… صمد أمام حاله هذا وقرر مساومة الفتاة فربما تحلّ عن رأسِه وتبوء بمصيبتها عنه.
توالت الشهور وقد جَمَّ (مصطفى) وازداد كلبه سمنة،
“مرحباً بيوم عملٍ شاق”، قالها وقد امتلئ جوفه بهدنة يسرقها الوقتُ منه، “الوقت!” “الساعة!، لن أنساكِ اليوم يا صديقتي” فأحاطها بغلاف بلاستيكي ووضعها في حقيبته، ثم داعب رأس كلبه السمين (بيسو) وذهب مودِّعاً إياه.
ينتظره زملاء العمل بحرارة بالغة، لم يشهدها من قبل قط، إنهم في غاية الإهتمام، “تبدو أنيقاً اليوم”
“شكراً يا طارق، ما الذي فاتني؟”
“لا أخبئ عنك شيئاً، توفي رفعت عليه رحمة الله بنزيف حاد وهناك من يستبدلونَهُ بهِ”
“حفل آخر!”
“وليس أيُّ حفل، تعرف كيفية التعامل مع حفلات من تلك النوع، بالنسبة للموظفين، هه، لمن هم أقل درجة من منصب مدير الشركة، النفاق على أكمل وجه، ولكننا نرتزق منه أحياناً لا نكاد نجزم بنقيض ذلك”
“تعلم أنني أحب أنواع الخمر التي يقدمون أكثر من أي شئ آخر، قد أتجرعها لعقود دون كلل”
“إذا ستستمتع كثيرا، بالخمر، وب…”
“إياك أن تسترسل ما تقول الآن، وعد إلى مكتبك، حيث وضعك المدير السابق قبل وفاته، لا نعلم أين يمكن أن ينقلك بديلُه!”
“إلى الجحيم يا صاح، مهما ترقينا، كل وظيفة شاغرة هنا أو ممتلئة، كبيرة كانت أو صغيرة يعلم صاحبها أنها جحيم مُزَيّن بحوافز مالية”
ضحك كلاهما، منصرفين برأسيهما، كلٌ في عمله.
حتى قُضِيَ خاصّة (مصطفى)، وبينما كان يجمع ما سيعود به إلى شقته، لمح وجود علبة دواء في خزانة الملفات،
“سيبراليكس cipralex؟”
يرتفع صوت الموسيقى في صورة درامية غامضة، فشعَّثَ شعرَهُ ناظراً إلى “ريم” زميلته في القسم نفسه، يبدو أنها ستعمل طويلاً وتحتاج إلى القليل من الترفيه.
لم يرمِ لها بالاً وأخذ معه علبة الدواء مارّاً بها تارة على الرجل الذي تكفّل بإصلاح ساعته، فأُخِذَت سليمة، وتارة على الصيدلية القريبة من منزله مستعلماً عن خواص هذا الدواء، فشارف على الضحك، قائلاً بلهجة ساخرة: “إكتئاب! وهل من لديه عمل كهذا لا يصيبه الإكتئاب!”
فتح “مصطفى” الباب وقد التهى ب”بيسو” الذي التف كثيراً حوله وبين قدميه، داعب ظهره ونظر إلى طبق الطعام خاصته، ثم استلقى ببالٍ مرتاح على أريكته الناعمة بعد اطمئنانه بأن ملازمة الكلب له حين قدومه مجرد ترحيب به.
استيقظ عقب مرور ساعتين من نومه ليطفئ المكيف الذي قصف ظهره وفقاً لتأثيره الحاد ثم عاد لينام،
“تحسنْتَ كثيراً”
يخفق قلب “مصطفى” ويستعيذ مراراً وتكراراً سرا وجهرا… فلا يتحدث في المكان أحد إلاه…
“هل عقدت العزم على مساعدتي؟ أظن أنك قد تعقّلت في غيابي، وكَمَى الحزن نفسه عنك، فلم أرَ انفراج شفتيك عن ثناياها قبل أن كنت مع طارق”
قام فزعاً يتفقد يمينه ويساره، ولم يجد أحداً
ظلّ جالسا على أريكته لساعة يحاول محو ما حدث قبل قليل… “دواء غبي” قالها بنبرة غاضبة ورمى العلبة مستغنياً عنها نهائياً وأكمل نومه حتى الصباح…
تمر الأيام كذويها، ويستعيد “مصطفى” ذاكرته رويداً رويدا، فاستنتج الطبيب نجاح الدواء مع حالته، وشدّ على كتفيه قبل أن يغادر الغرفة وأكد بأهمية عدم هجره للدواء خصيصاً في تلك الفترة كي يزول عنه السقم بشكل لا عودة فيه له.
قاد “مصطفى” سيارته للعمل حتى وصل وجهته… في الآنِ الذي وصل به المدير أيضاً، توقيت عجيب! اضطرب الجميع منذ أن خطت قدميه المصعد وهمّوا بالخروج لتوفير مساحة كافية ترضى نفسه بها، فغضب “مصطفى” حيث اضطر أن ينتظر نزول المصعد بسبب حركات مبالغ فيها.
قابل في طريقه “ريم” و “طارق” ذاهبان لمكتب المدير وآخذانه معهما إليه… وعادوا بعدها جميعاً لعملهم الذي أُضِيفَ عليه الكثير بعد لقاء سام لم يُفاجئ به أحد.
طال مكوث ثلاثتهم في المكتب حتى منتصف الليل، فاحتجّ “طارق” على خروج زميلته “ريم” وحدها في موعد كهذا ونظر إلى “مصطفى” مبتسماً بطريقة تعجّب لها.
تابع “مصطفى” ما بدأ من مهام كُلِّفَ بها، حتى شرد ذهنه وأصدرت بطنه أصواتاً ثائرة دالّة على خواء…
“شكراً لخدمات التوصيل”، استمتع بوجبته ومسح كفيه ليستكمل مراجعة بيانات الملفات الماثلة في ترتيب عمودي أمامه…
“أبي” يصدر صوتٌ في الأرجاء، صوت فتاة لا يجهل صديقنا إياه… يحاول الثبات، فيزداد تشتتاً حتى بلغ الأمر به أخذ الملفات معه إلى المنزل ناسياً مفاتيح سيارته على مكتبه البائس، عاد حثيثاً ليجلبها معه فيلحق به “طارق” عند خروجه للمرة الثانية، ودار بينهما حوار انتهى بقدوم “طارق” معه إلى المنزل.
“ما رأيك في بيسو؟”
“من بيسو!”
“كلبي، النائم هناك” وأشار إلى ركن لم يلحظ “طارق” به شئ
“لا تسألني يا فتى، أعتقد أنني بحاجة إلى نظارة جديدة”
“دعك من الكلب والنظارة، فلنكمل ما على ظهورنا من تلال”
استيقظ “طارق” يرمقُ صديقَهُ النائم في صمت تام يسود أرجاء الردهة، ثم قام ليبحث عن مكان الحمام وبعد أن قضى حاجته تفقّد المكان باحثاً عن كلب “مصطفى”، فلم يجده، خشيَ أن يكونا قد نسيا باب الشقة مفتوحا ولكنّه مغلق ها هو.
“ضاع” قالها طارق محسوراً، يرجُّ كَتِفَيّ مصطفى ويعيد عليه نفس الجملة حتى يستيقظ مرتبكاً سائلاً عما يحدث
فيخبره طارق أن كلبه ضائعٌ، لفّت قدما كل منهما البيت مرات عدة حتى فقد “مصطفى” الأمل في إيجاد صديقه العزيز. وظلّ جالساً على طاولة المطبخ يدقق النظر علّ كلبه مختبئاً ولكن لا جدوى، عجَفَ عن الطعام بينما كان يقدمه له “طارق” وهو يربت على ظهره فبكى بكاءاً حاراً كرجلٍ مقهور على ولدِه، بعد أن شهِدَ طارق صديقه في تلك اللحظة التراجيدية المؤلمة تعهّدَه بالبحث عن “بيسو” وحتى لن يؤجل ذلك،
“إنه لا يغادر المنزل إلا معي، لا تشقّ على نفسك دون طائل”
“دعنا لا نضيع الفرصة، فلنسأل الجيران إن كانوا قد رأوهُ ماراً أمامهم أو شئ من هذا القبيل، إن شئت لا تأتي، أمامنا ساعتان ونذهب للعمل سأحاول إيجاده في هذا الوقت البيني”
“فلتذهب أنت لسؤالهم، سأعيد البحث عنه ربما اختبئ، لا تنسى أنك غريب بالنسبة إليه”
“فلتفعل ما شئت، اتصل بي إن عثرت عليه أنا بالأسفل”
قام مصطفى يتفقد كلبه مرة والثانية، ينزع أشياءاً من مكانها، يبحث في أركان وحياوزٍ لا تسع حتى حجم كلبه السمين. بينما كان طارق يسأل الجيران، من يفتح منهم الباب على الأقل فمنهم من أجاب بلا ومنهم من لا يعلم بوجود كلب في العمارة من الأساس فقد يختلط عليهم الأمر مع كلاب الشوارع، وحده الرجل العجوز من يعرف شكل الكلب الذي يمتلكه مصطفى، فتح العجوز باب بيته وأصرّ بأن يضيّف “طارق” وبدأ بسرد قصص طريفة بين “بيسو” و “مصطفى” فنظر طارق لساعتِه وهو يقضم شفتيه من الملل ثم ذيّل العجوز الحديث بخبرٍ صُعِقَ له طارق ألا وهو موت الكلب جوعاناً ، والأكثر فجعة نداء “مصطفى” على السيد “هاني” (العجوز) ليجدَ له تربة يدفن بها كلبه في اليوم ذاته الذي اسود بموته، فلدى العجوز حديقة اهترأت مزروعاتها مع الإهمال فاقتُلِعَت تماماً وأصبح المكان ملائماً لتوضع جثة “بيسو” به.
دقّ طارق جرس شقة “مصطفى” في ذهول تام ودخل دون أن يذكر شئ مما أُخبِر… فسأله مصطفى متلهّفاً: “هل هو آت خلفك؟”
نظر إليه طارق قائلاً: “اغلق الباب يا صاح واستعض الله في كلبك، لم يلحظه أحدٌ من سكان العمارة أو حتى البقالات المجاورة”
دخل “مصطفى” غرفته دون أن يرد على طارق، فنظر إليه الثاني ببصره الزائغ بينما كان يمسح نظارته من العرق فاتّبع صديقه آنذاك مخمناً سبب دخوله الغرفة…
“لقد بحثنا في كل مكان، يمكنك أن تبكي ولكن لا تفعل ذلك إنكَ تخيفني عليك، فلنذهب إلى العمل، لا أصدق أننا بحثنا عن بيسو كل هذا الوقت، أتعلم؟ ربما يأتي إليك ليلاً من الجوع أو أنه قد وجد فتاة جميلة يستأنس بها الآن أعلى السطح”
“نعم، لقد نسيت السطح دعنا نتفقده قبل الذهاب للعمل”
انطلقت الجملة بعفوية تامة من فم طارق دون أن يعيَ أنه قد ترك أثراً أبدياً في صدر صديقه الحزين؛ ألا وهو الشعور بالإنتظار. لم يستطع مواساته فخرجت تلك الكلمات التي لا فائدة منها مسببة إعصاراً هائلاً محملاً بالحماس ونستدل على ذلك من عينيّ مصطفى وهو يجري نحو السلّم… فسرعان ما ينطفئ بريق عينيه ولا شك قلبه أيضاً…
“سيأتي… أعلم أنه سيأتي… لنذهب إلى العمل”، مسح طارق عن صاحبه الغبار الذي التصق بثيابه ومسح عن نفسه أيضاً وذهبا إلى العمل في صورة مذرية إثر النوم بنفس الملابس وبالإضافة إلى بذل مجهود بها طيلة الصباح. ظل مصطفى يشاهد صور كلبه على هاتفه بينما طُلِبَ منه تأدية الكثير من الأعمال أخذ طارق القليل منها ليؤديها عنه… “آمل أن ألقاك ثانية يا صديقي العزيز” وذرف مصطفى الدموع بعدها بلا اكتراث لما قد يمسّ سمعته كموظف أو كرجل… (كما يفكر البعض) حاول طارق مواساته وبتعبير أدقّ ستره عن الأنظار… يملك طارق قلباً حنوناً ولكنه يفضل الإبتعاد إن كان الأمر له علاقة بمصلحته الخاصة، هدأ مصطفى وأُثلِجَ صدره بتجويد طارق للكلام زيادة عما حدث صباحاً فلا لوم طالما يصعب على صديقه الحال هكذا دون كلبه، فهناك الكثير من العمل ولأذكركم بجملة كتبتها قبل قليل تضفي على الموقف بعضاً من الزيف فربما اهتم طارق بالتخفيف عن صديقه ولكنه لن ينجز له عملاً كما ادّعى فلديه ما يكفيه حتى صباح اليوم التالي. لاحظ طارق سكون صاحبه فأتي له بالملفات مرة أخرى ضاحكاً ببلاهة إليه وذكر أنه قد نسيَ القدر الذي كُلّفَ به لذا لن يستطيع الاقتراب من تلك الملفات، أي (فلتعمل أنت بها وكفّ عن البكاء كالأطفال)
أتت “ريم” متأخرة وفي يدها ملفات تكاد تقع من قصر طول ذراعيها ومن كَمِّها الذي تسابق مع ما أمام طارق ومصطفى. لحقت بها فتاة تبدو أصغر سناً ودفعت ريم دون قصد فوقعت الملفات وقد اغتاظت الأخيرة للدرجة التي توصلها لنتف شعر الفتاة ولكنها تمالكت أعصابها وحافظت على سلوكها القويم بالرغم من عدم إعتذار الأخرى عما حدث فتبدو غاضبة هي أيضا، قام مصطفى ليجمع لها الملفات قبل أن يقوم طارق من مكانه فشكرته وبينما وجه رأسه ليوبّخ الأخرى وهي تتجه لمكتب المدير، انتابه شعورٌ غريبٌ، كأنهما تقابلا من قبل،
“كأنني أعرفك؟” أمسك يدها وضغط عليها، فسحبت نفسها منه وانطلقت حيث توجهت فتذكَّر حينها أنه كان يتحدث إليها في مدخل العمارة، ذهب خلفها ليعرف ماهية الأمر، فارتدت بجسدها ليكون مقابلاً له محدثة ضوضاء عارمة ولم يكفِ حتى دفعته بقوة إلى الوراء “لمَ تتبعني ها؟ هل أعرفك؟ بالطبع لا أعرفك؟ أتعرف أنك نكرة؟ كالبقية بالضبط، فابتعد قبل أن أسبب لك مشكلة”
“نفس الصوت”…
عاد إلى مكتبه وقد وجد طارق يكز على أسنانه غيظاً وفقاً لما قيل منذ قليل ووجد ريم لا تقلّ غضباً عنه وأتبعت غضبها قائلة: “وقحة كأبيها”
رد طارق: “فلنذكرهُ بالخير ما دام ميتاً”
“نعم يا صديقي، إنها ابنة المدير
السابق، مدللة، متعالية ووقحة، كان يأتي بها والدها كثيراً إلى هنا يبدو أن الحادث قد محى كل شئ تماما سوى أن لك كلباً”
جملة وقحة غير محسوبة من طارق دفعت مصطفى بقبض ياقته في يده المرتعشة وقبل أن يضربه باليد الأخرى صرخت فيهما ريم آمرة إياهما أن يعودا إلى مكتبيهما وينهيا الشجار على الفور ولم يلبثا دقيقة بعدها وقد عاد كل منهما لعمله فعلاً. ثوانٍ محسوبة وسمع الجميع صراخاً يأتي من باب المدير والأمن قد استُدعيَ من الأسفل ليأخذ الفتاة من مكتبه الذي كان ملكٌ لوالدها الحبيب كانت تصرخ باكية وتحاول الإفلات وهم يسحبونها للخارج فأوقفهم “مصطفى” حيث ذلك يعدّ إهانة للفتاة والشركة بأكملها مهما حدث غير ذلك أنها تبدو صغيرة، تكفّل مصطفى برعايتها بينما ظلت تصرخ وتعيق عمل الموظفين فأخذها إلى مقهىً قريب يهدئ فيه من روعها…
“ما اسمك؟”
“هل تظن نفسك تثبط ما جئت لأجله اليوم! من أنت!” نظرت إليه باحتقار، فراقب وجهها جيداً ثم رد عليها بنبرة هادئة تماماً: “وما الذي جئت من أجله؟”
“اسمع يا هذا، أعلم أن أبي لم يمُت بسبب ضغوط العمل أو ما شابه كما قال الجميع ببساطة، لأبي أعداء وسأنتقم…”
أوجسَ “مصطفى” في نفسهِ خيفةً لم تلحظها الفتاة من شدة الغضب، نفس نبرة الصوت، نفس اللهجة الثائرة، والشكل، الفرق أن الأخرى تخزّن طاقتها داخلياً والماثلة أمامه طاقتها لا تستطيع إلا النفاذ،
“هل ابتلعتَ لسانك!”
“ا…اا… شردت قليلاً، لم يكن للأستاذ رفعت رَحِمَهُ الله أعداء حسب علمنا، ما الذي ظننته؟ ولمَ؟”
“بالطبع لأنه ناجحٌ سيكون له أعداء”
ضحك مصطفى مستهزئاً بما تقول الفتاة ورد عليها قائلاً أن الكل لديهم أعداء حتى أنفسهم… صمتت الفتاة قليلاً وظل مصطفى يحاول إقناعها أن الفترة السابقة كانت أشدّهم عملاً على الجميع ولكن الضغط الأكبر دوماً ما يكون على المدير لذا قد يكون هذا سبباً للنزيف الذي وافته المنية بعدهُ… بكت الفتاة قائلة: “لا أتقبل وجود أحدهم مكانه” وبدأت بإظهار ضعفها كطفلة مدللة تفتقد والدها كثيراً ولا يفهم ذلك أحدٌ سواه، فقد رآها في أوجّ حالات الغضب والآن كإبنة حزينة بائسة، ناهينا عن الوقاحة والكبرياء وما نمّ به الجميع عنها، تبدو له كأحجية. عرض عليها أن تذهب لتلقي العلاج النفسي إن تعصّى عليها تقبل وفاة والدها لهذه الدرجة فقد تتأذّى أو تؤذي أحدهم إن بقيَت على هذا الشأن. فتركته الفتاة معتبرة أنه هرَطَ في كلامه بالإضافة إلى أنها شعرت كما لو أعطته حق التدخل في شؤونها الخاصة، مسحت دموعها وقبل أن تغادر ألقى إليها سؤالاً مكرراً: “لقد زرتِني مسبقاً وطلبتِ مني أن أنتقم لك أو ما شابه! كيف عرفتِ منزلي!”
“منزلك؟ ألم أقل لك أنك نكرة! لا زلت أجهل اسمك إلى الآن فمن أنت لآتيكَ! وفي بيتك أيضا!، لا تدفع الفاتورة فقد دفعتها”
“اسمي مصطفى” قالها متيقناً أنها تكذب وشكرها على دفع الفاتورة وسبقها بخطوات حتى وصل مكتبه ولا تفارق باله أبدا. “ليلى”، والتي عُرِفَ اسمها من “طارق”، ليلى ابنة المدير، الأحجية التي يحاول مصطفى اكتشافها من هنا وصاعدا. يومٌ يمر والآخر ولم تأتِ “ليلى” لتعارك من في الشركة مرة أخرى بل قصدت المقهى الذي كانا يجلسان فيه آنفاً، وفي الوقت الذي خرجَ فيه مصطفى ليحتسي كوباً من الشاي وجدها هناك فاستأذن للجلوس معها وإيماء رأسها بابتسامة بعث فيه أنها كانت تنتظره وحازت بانتصار على يأسها في تلك اللحظة سائلة إياه ما إن كان الذي قاله لها صحيح في المرة السابقة، أعني عن مجيئها بيته… فأخبرها أنه رآها حق الرؤية ومزح معها(دون قصد) قائلا: “هل أعطيكِ رقم الطبيب الذي يعالجني؟”
لم يتوقع ردها هذا فقد توقع كمّاً من الشتائم والعنف الهائلين ولكن قولها كان: “هل تعاني من شئ!”
“فقدت ذاكرتي في حادث”
“وهل تدعوني الآن بِخَرفةٍ لا تعلم ما تقول!” ها قد بدأنا،
“لا عليكِ، أنا أعتذر”
“قل لي ما كانت تلك الفتاة ترتدي، لون شعرها وعينيها”
“كانت أنت ولكنني لا أذكر الرداء”
“ربما هناك اشتباه، أو ربما هناك من يعبث معنا حقاً نظرتي لم تخيب”
“لا تسافري بخيالك بعيداً، أنا لا أشتبه أو شئ، أنتِ تلك الفتاة لا أعلم سبب إصراركِ على الإنكار”
“وأنا لا أعلم سبب إصرارك على الإثبات، أتعلم؟ لم يعد يهمني الأمر، لا أريد رؤيتك أو من معك مرة أخرى”
“لقد دفعتُ الفاتورة هذه المرة” قالها مصطفى، فتوقفت في مكانها لوهلة وأكملت طريقها بعدها.
ارتاح مصطفى تماما وزال عنه الشعور بالخوف مما قد يواجه مع تلك الفتاة وأثناء قيامه من مجلسه وجد هاتف الفتاة منسيّاً على الكرسي المقابل، فانتابه الفضول ولكن الهاتف مغلق برقم سري اتصل مصطفى بطارق سائلا عن تاريخ ميلاد رفعت (المدير السابق) فأجابه متعجباً، فأدخل الأول الرقم وقد فُتِحَ الهاتف تردد كثيرا بين الاستمرار أو تركه إلى حين تعود وتسأل عنه… عاد به إلى مكتبه وحالما ينهي ما بيده من أعمال سيبدأ التفتيش فيه، اللعنة على المثاليات، قد يهمّه الأمر حقاً، تلك الفتاة ماكرة وقد تمسّه بسوء.
ذهب إلى منزله في عجلةٍ من الأمر وقبل أن يوصد باب شقته دخل الكلب مسرعاً معه… باعثاً في قلبه السعادة الغير محدودة.
“يا صاح، أين كنت؟ أأردت الشعور بالاستقرار! لقد خفت وحزنت عليكَ كثيراً”
ينبح الكلب مهللاً بصاحبه وبدا متسخاً بعض الشئ… نسيَ “مصطفى” أمر الهاتف وأخذ كلبه ليغسله من الوسخ، ثم ذهب لتفقد هاتف “ليلى” ولم يجد عليه الكثير،
“مهلاً، هذا هاتف رفعت” ضرب كفّيه ببعضهما ثم انتهى به الأمر آخذاً حساب ابنته ورقمها من هاتفه. استيقظ في اليوم التالي ووضع لكلبه الطعام بالضِّعْف فقد انتُقِصَ من وزنه القليل وافتقر لعناصر غذائية لم يعتاد أن يكتسبها إلا في وجود مصطفى.
يزداد الأمر سوءًا فلا يعيَ “مصطفى” أنه في أمسّ الحاجة إلى يدٍ تُخرجه من تلك الظلمة،
“كيف الحال؟”
نبح الكلب بشراسة واقترب نحو الفتاة ليعضّها منعاً من الإقتراب، دفعه مصطفى برفق بإتجاه الطعام ومسح على ظهره ثم استكمل حديثه مع الفتاة التي لا تريد مغادرة حياته ودوما ما تداهمها بهذا الشكل.
بدأت الشكوك تشقّ طريقها إلى عقل الرجل فالفتاة تبدو مختلفة عن الأخرى من حيث الطباع، ولا يعلم لزيارتها غاية سوى استرجاع الهاتف ومع ذلك لا علم لها بموقعه كيف عثرت عليه! اقتربت كثيرا منه وأخبرته أن هناك من في غرفته، خرج منها وكانت قد غادرت المكان، لم يعد للخوف مكان في قلب مصطفى خصيصاً بعد ملاقاته للكلب، فلن يُعَكّر مزاجُه ربما للأبد. ذهب ليضع ملابس العمل وأخذ الهاتف وتذكر في طريقه يوم الحادث، والحفل الذي كان عائداً منه فأكمل القيادة حتى النهاية. وصل طارق آنذاك متأخرا…
“أين كنت؟”
“طارق النشيط قد غطّ في نومٍ عميق بسبب ما تجرّعَ الليلة الماضية”
“مع من؟ ري…”
“رجاءاً…”
“فاسق.”
“أنا آسف يا فتى كانت تبدو حزينة، أنت تتجاهلها باستمرار”
“لمَ الاعتذار لا أفهم، وقد ابتسمت لي سابقاً عندما أخذتها إلى منزلها، والآن تقول لي أتجاهلها! ماذا بيني وبينها؟”
“أخفض صوتك… سأخب…”
“سأخبره أنا” تتدخل ريم بنبرة يملؤها المكر… “لم يكن بيننا أي شئ، ما يرى طارق ليس كلاماً مقدساً عد إلى عملك ولا تستمع لهذا الثرثار”
“كنت سأخبرك بهذا ولكنها سبقتني” ضحك طارق وعلى وجهه علامات الإنسحاب، فقد التهمتنا “ريم” كالفريسة في فمها، بدت كالنمرة التي خافت على نفسها من شخص فقطّعتهُ إرباً قبل أن يبدأ بها.
“كيف أعيد هذا لصاحبته؟”
“لمن هذا الهاتف؟”
“لابنة المدير، وبالأدق أبيها”
“أرني” اقترب طارق ليمسك الهاتف ولكن قبل أن يفعل رفعه مصطفى عنه قائلاً بأنه ليس للتفتيش.
فنظر طارق بمكر له وردّ: “لمَ سألتني عن تاريخ ميلاد رفعت؟”
“حسنا، فتشت به ولكن لأخبرك أنه لا يحمل شيئاً مهماً”
“ألن تسألني كيف عرفت تاريخ الميلاد؟”
“ربما كان هذا الرجل يحتفل به معكم!”
“استنتاج عظيم سأعود إلى مكتبي ويمكنني اصطحابك إلى منزلهم لتعيد ما بيدك هذا”
اصطحب طارق مصطفى إلى منزل “رفعت” ففتحت والدة الفتاة باب المنزل وأصرّت بدخولهما، تبدو لهما قمة في التواضع والحكمة رغم الرخاء المتوفر لها أمامهما…
“سيدة كاميليا، لدينا شئ يخص الأستاذ رفعت عليه رحمة الله، عثر عليه مصطفى أمس في المقهى الذي كانت تجلس به ابنتك خلف الشركة”
“آه، حقاً!، لقد بحثنا عنه كثيراً، حتى أنها ذهبت لتتفقده في شتى الأماكن التي وردناها البارحة ولم تعد حتى الآن لأتصل بها”
“سنغادر نحن، لا سبب لوجودنا هنا الآن” قالها مصطفى والآخر قد تلقّى الكثير من النكز على كتفه للقيام بدلاً من التطلع على كل الترف المشهود بالمنزل كالمحروم.
“شكراً لكما كثيراُ”
قبل أن يَرِدَ كل منهما الباب دخلت “ليلى” تتصبب عرقا مرحبة بها السيدة “كاميليا” وثنائي العمل غير المرغوب بتواجدهما في المنزل من قبل الآنسة الصغيرة، حتى أنها تفوّهت بذلك، فاعتذرت والدتها بالنيابة عنها وغادر طارق ومصطفى غير مكترثان لما تعاني تلك الفتاة من مشاكل نفسية.
وبينما كان يقود طارق مصطفى لبيته
خرجت من فمه كلمة “سيبراليكس”
“ماذا قلت؟” رد مصطفى متعجباً
“لا تهتم يا فتى تذكرت الاسم فجأةً، لا أعلم حتى إن كنت أنطقه بشكل صحيح أم لا”
“نعم، لقد نطقته بشكل صحيح”
“كيف عرفت؟”
“يؤخَذُ لعلاج الاكتئاب، لقد وجدته في خزانتي أول يوم عمل لي بعد العودة، ربما كنت أعاني من بعض المشاكل”
“ولا زلت” همس طارق،
“ماذا؟”
“لا عليك، إذا هي لا تكذب”
“ماذا تقول يا طارق، لا أفهمك”
“ريم…”
“لما تكرر هذا الاسم أمامي كثيراً؟”
“تبدو ليلى مسكينة لي بعض الشئ أتمنى أن تتخلص مما تعاني قريباً”
“لما تهرب من السؤال دعك من ليلى وأبيها هذا، ماذا عن ريم؟”
“ماذا عنها؟”
“طارق أنزلني هنا”
ضحك طارق ساخرا ثم ذكّر مصطفى أن هذه سيارة مصطفى
“فلتنزل منها إذاً سأذهب وحدي إلى المنزل”
فقد وجه طارق بهجته المصطنعة واقترب من مصطفى بعد نزولهما من السيارة فشد بيده على رقبته للتهديد فقط دون القتل،
“اسمع أيها الأحمق، يقطن الكثير من الشر بداخلك، ولكنك سرعان ما ستنكشف خباياك أمام الجميع، وستنال عقابك كما يجب أن يكون”
أزال مصطفى يد الآخر وبدّل وضعه للذي كان عليه طارق قائلاً:
“أظنك لا تعرف عن شري شئ بعد، ابتعد” دفعه مصطفى بعيدا وهو يحاول التقاط أنفاسه… وأكمل طريقه حتى المنزل في غضب عارم
لم يكترث لنباح الكلب ولا لاتصالات “ريم” الملحّة تلك الليلة فنام على الأريكة تاركاً كلبه ينبح طويلاً… حتى الفجر الذي استيقظ فيه وكلبه نائمٌ، لا يصدر نفسًا اقترب منه ليتفقده فوجده صريعاً على فراشه الموضوع على أرضية الردهة، التهى مصطفى محاولا إيقاظه ولا جدوى… فوقع جنباً إلى كلبه وقام في الصباح ليتجهز للعمل، لم يبحث عن الكلب، لم يأخذ الدواء الذي يساعده على التذكر، مرّت شهور وازداد حاله تدهورًا أكثر من السابق، حتى أن هناك أشخاص عدة صار يتوهّم برؤيتهم منهم أبويه الذان أساءا إليه مسبقاً، ليلى، الكلب، وهاني (الرجل العجوز) الذي توفي منذ أسبوعين…
طُرِدَ مصطفى من العمل دون علمه، وهذه المرة لم يتصل به أحد، لم يتلقى هاتفه اتصالا واحداً بعد تلك الليلة المشئومة… الساعة أصبحت سليمة ولكن عقله ليس كذلك.
تأتيه دفعات متتالية من الذكريات الغير مجمّعة والغير مرغوب بها
(يوم الحادث) مرة أخرى
(نباح الكلب طويلا تلك الليلة)
(لقاءه بليلى)
(تلقّي المدير السابق تسجيلاً له وهو يفرض نفسه على ريم زميلته في العمل بعد انتهاء حفلة من حفلات الشركة)
(مراسلته لفتاة لا يذكر حسابها ولكنه يذكر أنها أول فتاة يحادثها لا ترفضه)
(وفاة السيد هاني)
ويوم الحادث… أصيب مصطفى بنوبة هلع محاولا الهدوء ولكنه يفشل كلما تطلب الأمر ذلك، حتى أنه قد نسي الطبيب الذي كان يتلقى لديه العلاج، نسي العنوان، مكان الوصفات، رقم هاتفه، اسمه، فتح باب شقته وخرج للشارع مهرولاً باحثاً عن أقرب صيدلية ففقد وعيه أمام المبنى. استيقظ على رائحة التعقيم التي توحي بأنه تم نقله لمستشفى ما بالمدينة، اقترب منه طارق وريم والطبيب الموكّل لحالته، عرّف الطبيب عن نفسه وأخبر مصطفى أنه سيمكث قليلاً بالمستشفى نظراً لسوء حالته واحتياجه الشديد لطبيب يراقبه، فاتبع طارق الطبيب ليترك لريم مساحتها، عرضت ريم على مصطفى أن يتم معالجته في منزلها لصعوبة الإنسجام بينه وبين طارق مؤخراً…
تذكر مصطفى شيئا بينما تتابع ريم حديثها معه… فقطع حديثها قائلا: “لقد وضعت شيئاً في كوب…”
“أخيراً تذكّرت الجُرم الذي ارتكبت”
“م… ماذا؟”
“لا عليك، لا تشغل بالك قال الطبيب أن عليك الارتياح على الأقل إلى أن تشهد تحسناً لا بأس به”
اقترب طارق ومعه الطبيب مُعلمَين مصطفى أنه سينتقل لشقة ريم ليتلقى العلاج بدلاً من المستشفى وخصص له الطبيب ممرضة ملازمة له نظراً لانشغال ريم في العمل طوال اليوم. وافق مصطفى على الرغم من عدم ارتياحه ولكنه لا يقدر على ولوج شقته وقد داهمها الشر إلى الحد الذي لا عودة فيه إليها إلا جثة هامدة… يفوح منها النتن بعد موتها بأيام… فيتصل الجيران بالشرطة آنذاك وتُحمَل جثته بمنتهى الإكرام إلى القبر، قبر الشخص الذي ليس له زوار في محياه وفي مماته، قبر لا ترده إلا الحيوانات لتتبول عليه، وموطنٌ لمن يأتون بزجاجات خمر رخيصة يتجرعونها بينما يشتكون من الظلم الذي لن يزول إلا بزوال العالم. انتهز طارق وريم فرصة افصاح مصطفى عما حدث ليكون ذلك دليلا ضدّه فأخذاه إلى منزل “ريم” واهتمّا بحالته بدلا من الممرضة التي وسرعان ما تركت المكان بكلمة واحدة. لم يعرفا مدى تدهور حالته النفسية التي أودت به ميتاً في النهاية بجرعة زائدة من دواء “سيبراليكس”، والذي اشترته له “ريم” ظناً أنه سيساعده كما اعتاد أن يساعده، ويؤذي سواه، كالسيد “رفعت” الذي توفي في نفس اليوم الذي كانت تحتفل فيه الشركة بنجاح جديد في إحدى المطاعم الفاخرة، آنذاك لاحظ الجميع عدم مجئ المدير وعلى الرغم من ذلك أكلموا الاحتفال حتى منتصف الليل، حين خرج “مصطفى” ثملاً متروكاً عمداً ليقود سيارته ويصاب في حادث يطيح بذكرياته بعيداً، كل ما في الأمر أنه أراد إيذاء الشخص وليس قتله، صباح الاحتفال، قتل “مصطفى” المدير جاهلاً وشهدت “ريم” اللحظة التي كان يضع فيها بعض أقراص نفس الدواء الذي يأخذ، ويلقي العلبة بعدما فرغت في القمامة، اللحظة التي تركَت فيها العمل واتبعت مصطفى إلى المقهى لتخفف عنه حدة الغضب والمهانة التي كان رفعت سببا فيها، الاستغلال أمرٌ شنيع، ولكن القتل لا يبرر. أخبرَت ريم طارق باكية في اليوم ذاته الذي فقدوا فيه المدير حيث لا دليل لديها والأمر كله متوقف على اعتراف صريح من القاتل البرئ مصطفى.. فاشتد كلاهما غضباً وشعرا بالخطر كلما تواجد مصطفى بينهم خصيصا “ريم”
التي فرض مصطفى نفسه عليها في احتفالٍ ما فقامت بالتسجيل له وتسليم هذا التسجيل للمدير، الأمر الذي جعله يستغل مصطفى في سبيل الحصول على كل ما يريد بدلا من الإشهار به وتلويث سمعته، كان جوف مصطفى يهيج بالكثير من المشاعر، الوحدة والفراغ، الكراهية والملل، الجبن، الشر والشعور بالمهانة، ومؤخراً الذل والندم، فتخيل ابنة المدير تداهمه مراراً وتكراراً لأخذ انتقامها منه، وتخيل الكلب الذي توفي بينما كان مصطفى في المستشفى بعد الحادث، شعر بالذنب لترك فتاة دون أب رغم عدم تذكره للأمر، وتجاه كلبه الذي لم يكن يحب سواه في هذا العالم، لم يكنّ له الولاء كما فعل “بيسو” الصديق الحنون الذي لم يترك صديقه حتى بعد ما مات.
عندما مات “مصطفى” خشيت ريم من أن تدخل في دوامة نهاية المطاف بها السجن، لأنها من اشترت له الدواء، وهي من أرسلت الممرضة مدعية أنها سوف تهتم به بدلاً عنها، فأخذته وطارق لشقته التي وضع جيرانه مفتاحها في أصيص أمام الباب… وأدخلاه ورحلا، كما لم يكن. لم يشعر من حوله بالشفقة عليه ولكنه شعر بالشفقة على الجميع، شعر بالشفقة على فتاة مات والدها ولا يستطيع فهمها أحد سواه، وامرأة لا قلب لها، وصديق ماكر، ومدير ساذج مستغل، وزوجته المتواضعة، شعر بالشفقة على والديه اللذان لا يكترثا لشئ سوى الحصول على المال بأية طريقة حتى وإن كانت غير شرعية، وبالشفقة على رجل عجوز وحيد إن كان لمصطفى المزيد من العمر ليقضي لكان مثل هذا العجوز، أما عن الكلب فهو الوحيد الذي كان يشعر بصديقه حق الشعور، بل ويجد له حلولاً صائبة في التخلص من معاناته المميتة. تخلص مصطفى من شرور نفسه وشرور العالم بموته، تخلص من ذكرياته الشنيعة، من مرضه الذي لا شفاء منه، ومن تضارب المشاعر والأفكار، بموته أصبحت شقته أكثر أماناً وأقل بؤساً حيث يسكنه شبحه والكلب ليعيدا سيناريو حياتهما قبل حدوث تلك الفوضى، الوقت الذي كان كل منهما في أنشط حالاته وأجملها على الإطلاق.
“الظلم يهابهُ الطاهرون، لا يَغشِيَ عليهم الليل إلا وقد باتت ضمائرهم راضية ونفوسهم مطمئنة، فأما عن الظالمين فقد قُدّرَ لهم العيش معيشة ضنكا، تقف في حلاقيمهم الذنوب كغصة لا تزول…”
Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Comments are closed.